يحيي بن حمزة العلوي اليمني
33
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
اللغوية ، لكن الشرع قد تصرّف فيها تصرّفا آخر ، فالصلاة ، دالة على الدعاء ، ولكن على هذه الكيفية المخصوصة المزيد عليها بهذه الزيادات الشرعية ، والصوم ، دال على الإمساك ، لكن بشرط اعتبارات أخر . وأمّا ابن الخطيب الرازي فزعم أن إطلاق هذه الألفاظ على هذه المعاني الشرعية ، على جهة المجاز من المعاني اللغوية التي تدل عليها . فحاصل كلامه هذا أنها دالة على معانيها اللغوية بحقائقها ، وعلى معانيها الشرعية بمجازاتها . والمختار عندنا تفصيل قد نبّهنا عليه في الكتب الأصوليّة . وحاصله أنّ الشرع قد نقلها إلى إفادة معان أخر ، وأنها غير خالية عن الدلالة على معانيها اللغوية ، وأنها قد صارت حقائق في معانيها الشرعية ، ويدلّ على ما قلناه من كونها دالة بحقائقها على هذه المعاني الشرعية ، أمران ، أحدهما : أن السابق إلى الفهم هو هذه المعاني الشرعية ، عند إطلاقها ، وهذه أمارة كون اللفظ حقيقة في معناه لما سنقرّره بعد ذلك ، ولهذا فإنه لو قيل فلان يصلى لم يسبق إلى الفهم إلّا هذه الأعمال . ومن جملتها الدعاء . وثانيهما أنها قد أفادت عند إطلاقها معنى مصطلحا عليه في خطاب الشرع ، كما أفاد قولنا : فرس ، وإنسان معانيهما اللغوية عند الإطلاق ، فكما قضينا بكون هذه حقائق في دلالتها على معانيها ، فهكذا حال هذه الألفاظ الشرعية تكون حقائق من غير تفرقة بينهما . المسألة الثالثة في بيان أحكام الحقائق اعلم أنا قد قرّرنا فيما سلف أن الحقائق منقسمة إلى ما تكون حاصلة من جهة اللغة ، وإلى ما يكون حصوله من جهة العرف . وإلى ما تكون متلقّاة من جهة الشرع ، ودللنا على كل واحدة من هذه الحقائق . ونحن الآن نردف ما يتعلق بكل واحد من هذه الأقسام من الأحكام . الحكم الأول يختص بالوضع اللغوي اعلم أن الحقيقة اللغوية لا يقضى بكونها حقيقة فيما دلت عليه إلّا إذا كانت مستعملة في موضوعها الأصلي فلا بدّ من سبق وضعها أولا ، فإذا استعملت في الحالة الثانية من وضعها في موضوعها الأصلي فهي حقيقة ، وإن كانت مستعملة في خلافه فهي مجاز ، ومن هاهنا قال المحققون : إن الوضع الأول ، ليس مجازا ، ولا حقيقة ، وهذا صحيح ، وبيان